.
بسم الله الرحمن الرحيم
ثآنِـيَّ قصَـه أكتُبُهـآ (=
.
دمعة أحسست بحرارة تفوح منها؛ لقربي من صاحبتها، سقطت فور قولها: لم أنس ذلك اليوم .. (سكتت قليلا لتدفع العبرة ثم تابعت) ولا أعتقد بأنني سأنساه طيلة حياتي.
حثثتها للكلام، ومدى أهمية استمرارها في الكلام، ثم شدّدت على يدِها وأشرتُ لها على الفتيات اللاتي أتين خصيصاً؛ للاستماع إليها..عادت من جديد ونظرت إليهن، كانت نظراتها تشع بريقا من بؤبؤين عسليين تحيط بهما أهدابُ طويلة أكسبت عينيها منظراً يليق بأن يشبه باللآلئ المشعة وخاصة عندما تتساقط منها البلورات اللامعة، ولم تكن ملامحها ذات جمالٍ باهر وإنما أكسبها النور المشع منها جاذبية أخاذة..
عادت للابتسام من جديد، واستطردت كلامها: كنت مع ثلاث من شقيقاتي وأخي الأكبر غير الشقيق.. وشقيقي ذي العشر سنوات ولا أنسى أبنتي الصغيرة في حجري، كنا حينها مسافرين بالسيارة من المدينة إلى قريتنا خلف الجبل ..
صمتت قليلاَ وكأنها تسترجع الذكرى ثم تابعت: في بداية رحلتنا كان الضحك هو الجو الذي يدندن أوتاره علينا، ومع مرور الوقت والتعمق في أوحال الليل الدامس، داهمنا النوم.. الكل نام ما عدا سائقنا الذي لم يكن إلا أخي عبد العزيز، لم ندري كم من الوقت مر وفاتنا ملاحظة النعاس الذي بدأ يداعب مقلتي أخي ..
سقطت دمعة وهي تردف: حينها طغى جبروت الظلام على انطلاق السيارة بخط مستقيم فانحدرت جانبًا.. (توقفت قليلاً كي تُداري انفعالا قد بدا بالظهور ثم تابعت) للأسف قد كان طريقا بدائيا موحشا به الكثير من المنحدرات.. وآهٍ مما حدث..! انقلبت بنا السيارة وتدحرجت بشكل مخيف، فرمى أخواتي جميعهن وأيضا أخي الأكبر، ولم ينسى الانقلاب الفظيع ابنتي الصغيرة التي رماها إلى أقصى حد.. لا أدري كم من الوقت مر والإغماء يعربد علي، صحوت وألم كبير ينحر رقبتي، أخذت ألتفت يمينا ويسارا كالتائهة ..
أين أنا !!
ماذا حدث؟
يا إلهي .. ماذا اسمع ..!!
أصوات أنينٍ تكاد تفتق من عمقها وألمها . .يا للهول ...
أستر يا رب .. أستر يا رب...
- " سلوى "..
صوت ضعيف يأتي من جانبي مختلط بالشهقات .. يا إلهي شقيقي الأصغر هاني .. أخذته في أحضاني، ثم حاولنا فتح الباب فلم يفتح ..
- " دعينا نخرج من النافذة ".
- " حسنا يا أخي.. هيّا "..
ساعدته على الخروج أولا ومن ثم أنا خرجت ولم يفت أن نتأذى من الزجاج المكسور..
المكان مظلم بشدة والجو ساكن يثير الرعب في النفوس بسكونه الشديد..
شهقنا معا أنا وأخي؛ فالجثث متناثرة.. أخي عبد العزيز يبدو أنه ميـ ـت .. وأختانا ريم و رنا مغشياً عليهما .. أظن بوجود كسور لديهما ..!!
.. وأختي الثالثة نداء كانت تبتسم لي .. نعم كانت مبتسمة ..
ذهبت إليها مسرعة واحتضنتها، كانت تنزف كثيرا من الدماء، ساعدتها وضمدتها لها، ثم تذكرت طفلتي فردوس، أخذت أجري .. أين أنتي يا طفلتي !! .. بصعوبة وجدتها ..يا إلهي .. إن وجهها غير واضح من جراء امتلاءه بالزجاج، وضعت أذني على صدرها لأسمع دقات قلبها،
الحمد لله والشكر له على إبقاءه لحياة طفلتي الوحيدة، عدت لأختي السابقة نداء، جلست بجانبها خائفة متوجسة من هذا الظلام حاملة بين ذراعاي طفلتي .. أخذت امسح الدماء عن وجه نداء، والعجيب أنها مازالت مبتسمة ، بادلتها ابتسامة صفراء، ثم لم أستطع التحمل .. ضاعت دموعي على وجنتاي صغيرتي وبات صوت شجني يقرع الظلام..
- " لا تقلقي..سيساعدنا الله "..
عبارة نداء التي نطقتها بوهن ، أرجعت لي الأمل.. رفعت رأسي لأنظر لهاني، وابحث عنه .. لمحته عيناي يبكي عند أخي عبد العزيز... مسح أدمعه بصعوبة.. فقد تذكر دوما ما يردده على مسمع منه أخيه عبد العزيز ..
" كن دوما القائد بعدي " .. " لن أحمل هماً إن سافرت لأني سأخلف رجلا..يحمي أخواتي من بعدي " ..
وآه يا أخي.. يبدو أنك قد كنت تشعر بما سيحدث.. أليس اليوم قبل أن نسافر رددت عباراتك هذه أكثر من أي يوم..!تحامل هاني على نفسه ليشد قامته.. ويردد بعض الكلمات المحمسة والباعثة للأمل.. نهض متجها إلى أختيه ..
- " هل أنتما بخير؟؟ ".. هكذا سألني هاني.. وعيناه تحاولان اختراق الظلام ويبدو وكأنه يحاول أن يطرد الخوف من عينيه؛ لئلا نلاحظه ..
وبعد سؤال هاني، شعرت بمدى وقع مصيبتنا.. وخاصة عليه.. أحسست بأننا ضائعون في مكانٍ موحش..يحاصره الظلام اللانهائي ..!!
ولا يمكن أن أتجاهل الحر الشديد الذي كان كالأسوار يقيدنا ويمنعنا من التنفس..والأدهى من كل ذلك..أن ترى بعينيك أخيك وشقيقاتك مرميون هنا وهناك..
شيء قاسي .. قاسي للغاية ..
اللهم فَرِجَّ ~ . .
بدأت خيوط الفجر تشق طريقها عبر السماء، عاد الأمل يشع بقلبه..سبحان الله.. لم أنظر لجمال السماء في هذا الوقت من قبل، إنها رائعة..
- " هاني..تعال إلى هنا "
- " أنا آتٍ "..
ذهبت إليها وأنا مندهش فهي نداء..حتى في أحلك الظروف لا تفارقها ابتسامتها..
ما الأمر..!!
- " أجلس بجانبي.. سلوى أعلمت النجدة.. وبإذن الله لن يتأخروا "
جاءت سلوى متبرمة.. نظرنا إليها متسائلين.. وبعد أن زفرت بقوة.. قالت: كالعادة يتوعدون المجيء بأسرع وقت ويتأخرون..
قالت نداء: ولماذا هذا التشاؤم يا أخيه؟! ، وابتسمت مستطردة: لا تقلقا.. إن الله مع الصابرين،، ألم يقل ربنا جل في علاه :" وبشر الصابرين، اللذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدين ".
ابتسمت سلوى والدموع تترقرق في عينيها: إنا لله وإنا إليه راجعون،، نداء لا أعلم ماذا أفعل لولاك أختي الحبيبة، بالرغم من أنكِ أصغر مني لكنك تملكين عقلا أوعى مني.
مسحت نداء دموع سلوى بأناملها، ثم وضعت أصابعها تحت ذقن سلوى لترفع رأسها وهي تقول: سلوى أنتي أيضا أختا رائعة..
أرادت سلوى مقاطعتها بقول شي إلا أنها أوقفتها بإشارة من يدها وهي تتابع بكلمات متقطعة بسبب تعبها الواضح الذي كانت تحاول جاهدة أن لا يظهر لأختها وأخيها: ثقوا أن الله لن يضيعكم ما دمتم ملتجئين له.. آه ..
أسرعت سلوى لها قائلة والخوف يشتعل على ملامحها بعد أن أحرق قلبها: نداء أنتي متعبة عزيزتي بالله عليكِ..ارتاحي الآن..لا تتكلمي.
قالت نداء والألم واضح على وجهها: لقد حانت ساعتي ولا راد للموت من شيء.
صرخت سلوى بجزع: لا يا نداء ..لا تذهبي ..لا تتركيني وحيدة ..أرجوكِ أنا أخشى الظلام.
ابتسمت نداء ابتسامة باهتة وقالت: سينشق الظلام بعد قليل وسينبلج الصبح..فقد انتظري.
كان هاني يراقب الموقف بصمت والدموع تنزف على وجنتيه، لم يكن يصدق هذا الواقع المرير، كان فقط ينتظر الساعة التي يستيقظ فيها من هذا الحلم المزعج الذي لا يعتقد بحصوله له أبدا..
فجأة سمع نداء تنطق الشهادة بصوت مقطوع النفس.. وبعدها توالت شهقات سلوى وانسكب بكاءها في ظلام الليل... ففتح عينيه على وسعهما وانهمرت دموعُه الحارة على وجهه وهو يسأل سلوى: هـ ـل... هل ماتـ ـ ـت؟؟
نظرت إليه سلوى نظرة اقتلعت ما بقي من قلبه من تماسك.. فأجهش بالبكاء بقوة.. وكأنه يحاول إخراج عذاب ليلته كلها في هذه اللحظة..لقـــد.. لقد ماتت نــــداء!!
ماتت البسمة.. ماتت الأمل.. آآه.. من يعيدك لنا يا نداء !
إنا لله وإنا إليه راجعون ...
.
- " هاني..هاني.. أنظر هناك "
رأى هاني الفرحة تظهر فجأة على وجه أخته سلوى التي لم تستطع على تخبئة الحزن الكابت على محياها.. وهي تقول له هذه العبارة وتشير إلى مكان بعيد..نظر.. يا إلهي.. إنه نور سيارة.. أتوقع إنها سيارة إسعاف .. مع سيارات أخرى.. هل هذا معقول..هل حقا حان وقت.."انشقاق الظلام"..؟؟
كانت الدقائق السبع التي استغرقوها في الوصول إلينا.. كالساعات بالنسبة لنا, كنا بالرغم من التعب والإرهاق.. والعذاب الذي رأيناه.. إلا أننا نشعر بنشاط فظيع تفجر في دمائنا حين رؤيتنا للنجدة مقتربة منا.. يا الله.. لقد ذهب الكثير.. ولم يبقى غير القليل..ما رأيناه اليوم كان شيئا فظيعا.. لا يمكن أن يُنسى في يوم من الأيام.. إنه الموت بعينه.. رأيناه.. لمسناه.. شعرنا به يقترب باتجاهنا..ولكن .. أخذ غيرنا.. وتركنا...
.
- " وها أنا سلوى أمامكن التي تغيرت منذ ذلك الحادث "..
صفقوا البنات جميعهن لها.. ومنهن من تهمس لها بالدعاء والرحمة لأخوتها, وأخريات يشجعنها على المسير لطريق الحق، وأخريات يمسحن أدمعهن التي انسكبت من التأثر ..نعم .. تلك الحادثة لها تأثير كبير عليها لقد علمتها أن الحياة ليست إلا محطة .. والموت آتٍ لا محالة .. ثم أن رؤيتها لموت نداء كان له التأثير الأكبر عليها.. كيف لإنسانة عاشت مؤمنة صالحة أن لا تموت هكذا.. فعلا تلك حادثة.. انشقاق الظلام.
تمت بِحمدِ الله ؛
مُلآحظة :: حآدِثة آلسيآرة بدُون تفآصِيلهُ حقيقيَّ ؛دعوآتكُم لصآحِبتـه !
.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
آهلًا وسهلًا بكِ في مدَونتي ~
ثقيَّ بأني أسعدُ جدًا بـ [ تعليقكِ ] (=